أحمد بن أعثم الكوفي
547
الفتوح
رأيت أن تستغفر لنا يرحمك الله فقد أخبرنا أنك سيد التابعين ، وأنك تشفع يوم القيامة في عدد ربيعة ومضر ، قال : فبكى أويس بكاء شديدا ثم قال : عسى أن يكون ذلك غيري ، فقال علي رضي الله عنه : إننا قد تيقنا أنك أنت هو ونحن لا نشك في ذلك ، فادع لنا يرحمك الله بدعوة وأنت محسن ، فقال أويس : إني لا أدعو لرجل ولا لرجلين ولا ثلاث ، وإنما دعائي في البر والبحر للمؤمنين والمؤمنات في ظلم الليل وضياء النهار ، ولكن من أنتما يرحمكما الله ؟ فإني قد أخبرتكما باسمي وشهرت لكما أمري ، ولم أكن أحب أن يعلم بمكاني أحد من الناس ، فقال علي : أنا علي بن أبي طالب وهذا عمر بن الخطاب ، قال : فوثب أويس فرحا مستبشرا فعانقهما وسلم عليهما ورحب بهما فقال : يا أبا الحسن ! ومثلي يستغفر لأمثالكما ! فقال علي : نعم ، إننا قد احتجنا إلى ذلك منك ، فخصنا رحمك الله منك بدعوة حتى نؤمن على دعائك ! قال : فرفع أويس رأسه وقال : اللهم ! إن هذين يذكران أنهما يحباني فيك وقد زاراني من أجلك ، فاغفر لهما وأدخلهما في شفاعة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم . فقال له عمر : الميعاد بيني وبينك غدا في هذا الموضع ، فقال أويس : وما تريد ؟ فقال عمر : أحببت أن آتيك بكسوة وشئ من نفقة ، فإني أراك رث الحال ، فقال أويس : سبحان الله ! ألا ترى علي طمرين جديدين جبة وكساء ونعلاي قد خصفتهما ومعي أربعة دراهم قد أخذتها من أجرتي ولي عند القوم حساب ؟ فمتى آكل هذا ؟ يا أبا الحسن ويا أبا حفص إن الدنيا غدارة ، غرارة ، زائلة ، فانية ، فمن أمسى وهمه فيها اليوم مد عنقه إلى غد ، ومن مد عنقه إلى غد علق قلبه بالجمعة ، ومن علق قلبه بالجمعة لم ييئس من الشهر ، ويوشك أن يطلب السنة ، وأجله أقرب إليه من أمله ، ومن رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غدا من مجاورة الجبار ، وجرت من تحت منازله الأنهار ، وتدلت من فوقه الثمار ، قال : ثم سلم عليهما ومضى يسوق الإبل بين يديه وعلي وعمر ينظران إليه حتى غاب فلم ير . قال : وجعل بعد ذلك عمر يسأل عنه ، فلم يخبره أحد أنه رآه إلا أن يكون الربيع بن خيثم ، فإنه قال : أتيت موضعه فأصبته على شاطئ الفرات قائما يصلي فقلت في نفسي ينصرف من صلاته وأقوم إليه فأكلمه ، فلما صلى بسط كفيه إلى الله فلم يقبضهما إلى وقت العصر ، ثم قام فصلى وبسط يديه فلم يقبضهما إلى وقت العشاء الأولى ، ثم قام فصلى وبسط يديه فلم يقبضهما إلى وقت العشاء الآخرة ، ثم قام فصلى ووصلها ، فلم يزل راكعا وساجدا حتى أصبح ، فأذن وأقام وصلى